الشيخ محمد آصف المحسني

32

حدود الشريعة

ثمّ إنّ مقتضى المقابلة عرفا بين قوله تعالى : لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ . . . وبين قوله تعالى : إِنَّما يَنْهاكُمُ . . . أيضا هو جواز تولّي غير المقاتلين المخرجين ، وحرمة البرّ والقسط مع المقاتلين المخرجين فتأمل « 1 » . ولعلّ هذا أحد مصاديق ما اشتهر بين الأصوليّين من أنّ التفصيل قاطع للشركة . والآيات المتقدّمة لا تأبى عن حملها على هذا الاختصاص . نعم ، لا يصحّ حمل الآية الأولى على هذا التفصيل ؛ فإنّها آبية عن التخصيص ، وهي قوله تعالى : . . . الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً . . . ، والجمع بين هذه الآية أعني قوله تعالى : . . . الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ . . . ، وبين الآية الآخيرة أعني قوله : إِنَّما يَنْهاكُمُ . . . يفيدنا حرمة التولّي مع غير المسلمين من الذين يؤذون المسلمين ، ويضرّون بدين الإسلام دون غيرهم ، واللّه العالم . وهذا المعنى ممّا لا شكّ في حرمته وإن لم يكن مدلولا للآيات المذكورة ؛ لاستقلال العقل بذلك ، بل بغضهم وعداوتهم من لوازم الإيمان ولا يمكن اجتماع الاعتقاد بالإسلام ومحبّة من كان بهذه الصفة ، وإلى هذا ينظر قوله تعالى : قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ . وقوله تعالى : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ . ثمّ إنّ في الآيتين من الآيات المتقدّمة حرمة اتّخاذ الآباء والإخوان أولياء ، وحرمة مودّة الآباء والأبناء والإخوان والعشيرة ، مع أنّ محبّة الأولاد والآباء غير اختياريّة ، ويصعب إزالتها جدّا ، وقد قال اللّه تعالى : وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ، نعم ، هي غير ممتنعة لكنّها عسرة . فهل يمكن أن يقال : إنّ المحرّم هو المودّة من حيث كفرهم لا من حيث قرابتهم ، فيجوز محبتّهم من هذه الناحية أم لا ؟

--> ( 1 ) . ومن هنا انقدح لزوم الإصلاح في كلام صاحب مجمع البيان ومعقد إجماعه ، فلاحظ وتدبّر ، وعلى كلّ حال لا مجال لحرمة القسط معهم على أيّ حال إذا أريد منه العدل ، فالمحرّم بناء على تماميّة مقتضى المقابلة المذكورة هو البرّ فقط .